اختبار التحليل الأدبي 3 - السنة الثالثة ثانوي
فرض عادي في تحليل المقامة الفزارية - السنة الثالثة آداب
اختبار التحليل الأدبي - المقامة الفزارية
المدرسة: 3 آداب 1، صيّادة
المادة: اللغة العربية
الصف: 3 آداب
الأستاذ: -
النص: المقامة الفزارية
العدد: ................/20
النص الأدبي: المقامة الفزارية
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: «كُنْتُ فِي بَعْضِ بِلاَدِ فَزارَةَ مُرْتَـحِلاً نَـجِيبَهْ وَقَائِدًا جَنِيبَهْ، تَسْبَحَانِ بِي سَبْحًا وَأَنَا أَهُمُّ بِالوَطنِ [...]. فَظَلَلْتُ أَخْبِطُ وَرَقَ النَّهَارِ بِعَصَا التَّسْيَارِ، وَأَخُوضُ بَطْنَ اللَّيْلِ بِـحَوَافِرِ الـخَيْلِ. فَبَيْنَا أَنَا فِي لَيْلَةٍ يَضِلُّ فِيهَا الغَطَاطُ وَلاَ يُبْصِرُ فِيهَا الوَطْوَاطُ، أَسِيحُ سَيْحًا وَلاَ سَانِحَ إِلاَّ السَّبْعُ ولاَ بَارحَ إلاَّ الضَّبْعُ، إِذْ عَنَّ لِي رَاكِبٌ يَطْوِي إِلَيَّ مَنْشُورَ الفَلَوَاتِ. فَأَخَذَنِي مِنْهُ مَا يَأْخُذُ الأَعْزَلَ مِنْ شَاكِّ السِّلاَحِ. لَكِنِّي تَـجَلَّدْتُ. فَقُلْتُ: «أَرْضَكَ، لاَ أُمَّ لَكَ. فَدُونَكَ شَرْطُ الحِدَادِ وَخَرْطُ القَتَادِ [...] وَأَنَا سِلْمٌ إِنْ شِئْتَ وَحَرْبٌ إِنْ أَرَدْتَ. فَقُلْ لِي مَنْ أَنْتَ». فَقَالَ: «سِلْمًا أَصَبْتَ». فَقُلْتُ: «خَيْرًا أَجَبْتَ. فَمَنْ أَنْتَ؟». فَقَالَ: «نَصِيحٌ إِنْ شَاوَرْتَ، فَصِيحٌ إِنْ حَاوَرْتَ، ودُونَ اسْمِي لِثَامٌ، لاَ تُـمِيطُهُ الأَعْلاَمُ، أَجُوبُ جُيُوبَ البِلاَدِ، حَتَّى أَقَعَ عَلَى جَفْنَةِ جَوَادٍ، وَلِي فُؤَادٌ يَـخْدِمُهُ لِسَانٌ، وَبَيَانٌ يَرْقُمُـــــهُ بَنَانٌ، وَقُصَارَايَ كَرِيمٌ يُـخَفِّفُ لِي جَنِيبَتَهُ وَيَنْفُضُ لِي حَقِيبَتَهُ، كَابْنِ حُرَّةٍ طَلعَ عَلَيَّ بِالأَمْسِ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَغَرُبَ عَنِّي بِغرُوبِهَا. لَكِنَّهُ غَابَ وَلَمْ يَغِبْ تَذْكَارُهُ، وَوَدَّعَ وَشَيَّعَتْنِي آثَارُهُ. ولاَ يُنْبِئُكَ عَنْهَا أَقْرَبُ مِنْهَا». وَأَوْمَأَ إِلَى مَا كَانَ لِبْسُهُ. فَقُلْتُ: «شَحَّاذٌ وَرَبِّ الكَعْبَةِ أَخَّاذٌ، لَهُ فِي الصَّنْعَةِ نَفَاذٌ، بَلْ هُوَ فِيهَا أُسْتَاذٌ. يَا فَتًى، قَدْ أَجْلَيْتُ عِبَارَتَكَ، فَأَيْنَ شِعْرُكَ مِنْ نَثْرِكَ؟» فَقَالَ: «وَأَيْنَ كَلاَمِي مِنْ شِعْرِي؟». ثُمَّ اسْتَمَدَّ غَرِيزَتَهُ، ورَفَعَ عَقِيرَتَه بِصَوْتٍ مَلَأَ الوَادِيَ. وَأَنْشَأ يَقُولُ:
وَخَـادَعْتُهُ عَنْ مَالِهِ، فَخَدَعْـتُــــــــــــــــهُ ✤ وَسَاهَلْـتُــهُ عَــــــــــــــنْ بِـرِّهِ فَتَسَــهَّـــــلاَ
وَلَمَّا تَـجَالَيْـنَا وَأَحْـمَدَ مَنْـطِــــــــــــــقِـي ✤ بَلاَنِيَ مِنْ نَظْـمِ القَرِيـضِ بِـمَا بَلاَ
فَمَا هَزَّ إِلاَّ صَارِمًا حِينَ هَزَّنِــــــي ✤ وَلَـمْ يَلْقَـنِـي إِلاَّ إِلَى السَّبْــــــــقِ أَوَّلاَ.
فَقُلْتُ: «عَلَى رِسْلِكَ يَا فَتًى، وَلَكَ فِيمَا يَصْحَبنِي حُكْمُكَ». فَقَالَ: «الـحَقِيبَةُ بِمَا فِيهَا». فَقُلْتُ: «إِنَّ وَحَامِلَتَهَا». ثُمَّ قَبَضْتُ بِـجُمْعِي عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: «لاَ وَالَّذِي أَلْـهَمَهَا لَمْسًا وَشَقَّهَا مِنْ وَاحِدَةٍ خَمْسًا، لاَ تُزايِلُنِي أَوْ أَعْلَمَ عِلْمَكَ». فَـحَدَرَ لِثَامَهُ عَنْ وَجْهِهِ. فَإِذَا هُوَ، وَاللهِ، شَيْخُنَا أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ. فَمَا لَبِثَ أَنْ قُلْتُ:
فَمَا تَصْـنعُ بِالــسَّيْـــــــفِ ✤ إذَا لَـــمْ تَـكُ قَـــتَّــــالاَ؟
فَصُغْ مَا أَنْتَ حَـلَّيْتَ ✤ بِـــهِ سَيْفَـكَ خَلْـخَالاَ.
رسائلُ أبي الفضلِ بديع الزّمان الهمذانيّ وبهامشِها مقاماتُه، مطبعة هنديّة، ط4، مصر، 1928، صص: (64-68)
الشرح المعجمي والمفردات
النَّجِيبَةُ: الفَرَسُ العَتِيقَةُ وَالكَرِيـمَةُ الأَصْلِ
الـجَنِيبَةُ: الفَرَسُ الَّتِي يَقُودُهَا الرَّاكِبُ إِلَى جَنْبِهِ
التَّسْيَارُ: الـمَسِيرُ أَوْ رُكُوبُ الدَّابَّةِ
الوَطْوَاطُ: جَـمْعُهُ وَطَاوِطُ، هُوَ الـخُفَّاشُ
أَسِيحُ: سَاحَ: جَرَى، جَالَ فِي البِلاَدِ، ذَهَبَ فِي الأَرْضِ
السَّانِحُ: الَّذِي يَأْتِي مِنَ اليَمِينِ
البَارِحُ: الَّذِي يَأْتِي مِنَ اليَسَارِ
شَاكٍّ: شَكَّ فِي السِّلاَحِ: كَانَ يَلْبَسُ سِلاَحًا تَامًّا وَغَارِقًا فِيهِ
خَرْطُ القَتَادِ: مَثَلٌ يُضْرَبُ لِرُكُوبِ الأَمْرِ الشَّاقِّ
الـجَفْنَةُ: القَصْعَةُ الكَبِيرَةُ
يَرقُمُ: رَقَمَ الكِتَابَ: بَيَّنَهُ وَأَعْجَمَهُ بِوَضْعِ النِّقَاطِ وَالـحَرَكَاتِ
أَخَّاذٌ: سَاحِرٌ
أَجْلَيْتُ: الأَمْرَ: فَهِمْتُهُ وَكَشَفْتُهُ
الـمُعِمُّ: الكَرِيمُ الأَعْمَامِ
الْمُخْوِلُ: الكَرِيمُ الأَخْوَالِ
سَاهَلَهُ: لاَيَنَهُ وَسَايَرَهُ
تَـجَالَيْنَا: اِنْكَشَفَ كُلٌّ مِنَّا لِصَاحِبِهِ
بَلاَهُ: اِخْتَبَرَهُ وَامْتَحَنَهُ وَجَرَّبَهُ
إِنَّ: حَرْفُ جَوَابٍ، مَعْنَاهَا "نَعَمْ"
حَدَرَ: الشَّيْءَ: أَنْزَلَهُ مِنْ عُلوٍّ إِلَى أَسْفَلَ
تَوَشَّحَ: بِالسَّيْفِ: تَقَلَّدَ بِهِ
الأسئلة الموجهة
1- ما الأساليب البديعية التي سيطرت على هذه المقامة؟ 3 ن
الأساليب البديعية في المقامة:
- السجع: تطابق الفواصل مثل "نجيبه وجنيبه"، "السبع والضبع"، "شاورت وحاورت".
- الجناس: كما في "خادعته فخدعته"، "سهلته فسهلا".
- الطباق: مثل "سلم إن شئت وحرب إن أردت"، "غاب ولم يغب".
- المقابلة: كما في "فصيح إن حاورت، نصيح إن شاورت".
- الترصيع: في العبارات المتوازنة والمتسقة إيقاعياً.
- التصريع: في المطلع الشعري "عودَه... مخولا".
2- أدّى الشعر وظائف مضمنية وأخرى بلاغية. ما هي؟ 3 ن
وظائف الشعر في المقامة:
الوظائف المضمونية:
- التعبير عن الشخصية: يكشف الشعر عن شخصية أبي الفتح وبراعته الأدبية.
- تقديم الحكمة: يحمل الأبيات حكمًا عن المكارم والكرم.
- التغزل بالفضائل: تمجيد الكرم والمروءة.
- الإقناع: استخدام الشعر كوسيلة للإقناع والتأثير.
الوظائف البلاغية:
- إظهار البراعة اللغوية: توظيف المحسنات البديعية في الشعر.
- التنويع الأسلوبي: الانتقال بين النثر والشعر لإضفاء التنوع.
- التكثيف الدلالي: اختزال المعاني في أبيات موجزة.
- التأثير العاطفي: خلق انطباع قوي لدى السامع.
3- ظهر المُكدّي (أبو الفتح) في صورة جديدة. حدّدها، وفسّر اختيارها 3 ن
صورة المُكدّي الجديدة:
- صورة الفارس المتشح بالسيف: "توشحت أبا الفتح بهذا السيف مختالا" - خلاف الصورة التقليدية للمتسول.
- صورة الأديب الشاعر:
- صورة الحكيم الناصح: "نصيح إن شاورت، فصيح إن حاورت".
- صورة المسافر الباحث عن الكرم: "أجوب جيوب البلدان حتى أقع على جفنة جواد".
تفسير اختيار هذه الصورة:
- كسر النمطية وتجديد فن المقامة.
- إضفاء بعد تراجيدي على شخصية المُكدّي.
- تقديم نقد اجتماعي بطريقة فنية.
- إظهار تناقض الظاهر مع الباطن في الشخصية.
- تعميق البعد الإنساني للشخصية.
4- هل تَجد الهمذاني يَفخر بنفسه؟ علّل جوابك 3 ن
فخر الهمذاني بنفسه:
نعم، يظهر فخر الهمذاني بنفسه من خلال:
- عرض البراعة اللغوية: الإكثار من المحسنات البديعية والألفاظ الغريبة.
- الانزياح عن المألوف: ابتكار صور وأساليب جديدة.
- تصوير الشخصية الرئيسية (أبو الفتح): التي تمثل الهمذاني نفسه كأديب بارع.
- الإشادة غير المباشرة: من خلال حوار الشخصيات وردود أفعالها.
- التحدي الأسلوبي: تعمد التعقيد لإظهار المقدرة.
أمثلة من النص:
- قوله: "لي فؤاد يخدمه لسان، وبيان يرقمه بنان" - وصف للبلاغة.
- الشعر المضمن الذي يظهر البراعة الشعرية.
- الحوار الذكي الذي يدل على سرعة البديهة.
- استخدام الألغاز والأسرار التي تظهر العمق الثقافي.
5- لِماذا طغى الحوار على هذه المقامة؟ 4 ن
سيادة الحوار في المقامة:
- الكشف عن الشخصيات: الحوار يكشف عن طباع الشخصيات وأفكارها.
- الإيهام بالواقعية: يجعل الأحداث حية ومباشرة.
- التشويق والإثارة: يخلق حالة من الترقب لدى القارئ.
- عرض الأفكار: نقل الأفكار الفلسفية والأدبية بطريقة حية.
- إظهار البراعة اللغوية: فرصة لعرض مختلف الأساليب والتعبيرات.
- التدرج الدرامي: بناء العقدة وحلها عبر الحوار.
- التفاعل مع القارئ: يجعل القارئ شاهداً على الحدث.
وظائف الحوار في هذه المقامة تحديداً:
- الكشف التدريجي عن هوية أبي الفتح.
- عرض صراع الذكاء والبلاغة بين الشخصيتين.
- نقل القيم الأخلاقية والأدبية بشكل غير مباشر.
- خلق المفارقة بين الظاهر (اللص) والباطن (الأديب).
6- تطرح المقامة قضايا أدبية وأخلاقية شغلت عصر الهمذاني. ما هي؟ 4 ن
القضايا الأدبية والأخلاقية في المقامة:
القضايا الأدبية:
- قضية اللفظ والمعنى: جدلية الأولوية بين اللفظ الجميل والمعنى العميق.
- وظيفة الأدب: التساؤل عن دور الأدب بين التعليم والترفيه.
- الأصالة والتجديد: كيفية الحفاظ على التراث مع التجديد.
- علاقة النثر بالشعر: التفاضل بينهما والجمع بينهما.
- اللغة والمجتمع: دور اللغة في تشكيل الهوية الثقافية.
القضايا الأخلاقية:
- قيمة الكرم: تمجيد الكرم والجود كقيمة عليا.
- نفاق المجتمع: نقد التناقض بين القول والفعل.
- التكسب بالأدب: أخلاقيات الكاتب والأديب في البحث عن الرزق.
- الصدق والرياء: الصراع بين الظاهر والحقيقة.
- الفضيلة والضرورة: جدلية الحفاظ على المبادئ في ظل الحاجة.
- علاقة الأديب بالمجتمع: موقع المثقف في المجتمع.
هذه القضايا تعكس اهتمامات العصر العباسي وما كان يشغل الأدباء والمفكرين في ذلك الوقت.
مقال التحليل الأدبي
📋 تخطيط المقال
- تقديم فن المقامة: جنس أدبي عربي ازدهر في العصر العباسي.
- أبرز رواد المقامة: بديع الزمان الهمذاني، الحريري.
- تقديم المقامة الفزارية: نموذج للمقامات اللغوية التعليمية.
- طرح الإشكالية: كيف تمثل المقامة الفزارية جنساً أدبياً قائماً بذاته؟
- البداية النموذجية: "حدثنا... سمعت..."
- شخصيات ثابتة: الراوي والبطل.
- البنية الحوارية: حوار ينقل الأحداث والأفكار.
- النهاية الحكمية: عِبرة أو حكمة مستخلصة.
- السجع: تطابق نهايات الجمل.
- المحسنات البديعية: الطباق، الجناس، المقابلة.
- الانزياح اللغوي: الخروج عن المألوف.
- التكثيف: اختزال المعاني في عبارات موجزة.
- المقصد التعليمي: تعليم اللغة والأدب.
- المقصد الترفيهي: المتعة الفنية من خلال الألغاز.
- المقصد النقدي: نقد العيوب الاجتماعية والثقافية.
- المقصد الأخلاقي: ترسيخ القيم النبيلة.
- قيمة العلم والأدب: البحث عن المعرفة.
- قيمة الحوار: الاستجواب والنقاش.
- النقد الاجتماعي: نقد التكبر والتعالي.
- قيمة الصداقة: التآخي والتعاون.
- المقامة الفزارية تمثل نموذجاً رفيعاً لفن المقامة.
- تتجلى فيها خصائص الجنس الأدبي المستقل.
- تجمع بين المتعة الفنية والفائدة التعليمية.
- تحافظ على الأصالة مع التجديد في الشكل والمضمون.
✍️ المقال المقترح
المقدمة
المقامة فن أدبي عربي ازدهر في العصر العباسي، وبلغ ذروته مع بديع الزمان الهمذاني والحريري، حيث مثّلا أبرز رواد هذا الفن الذي يجمع بين السرد والحكمة، واللغة والأدب، والترفيه والتعليم. والمقامة الفزارية التي بين أيدينا تمثل نموذجاً متميزاً لهذا الفن، فهي تبدأ بالطريقة النموذجية للمقامات: "حدثنا الفتح بن خاقان قال: سمعت أبا الفتح الإسكندري يقول"، مما يضعها في الإطار التقليدي لفن المقامة. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تمثل المقامة الفزارية جنساً أدبياً قائماً بذاته، وما الخصائص الفنية والأسلوبية التي تجعلها نموذجاً لهذا الفن الأدبي المتميز؟
الجوهر
تتميز المقامة الفزارية ببنية فنية واضحة تجعلها جنساً أدبياً مستقلاً. فبدايتها النموذجية: [حدثنا الفتح بن خاقان قال: سمعت أبا الفتح الإسكندري يقول] تضعها في إطار السرد التقليدي للمقامات، حيث نجد شخصيتين ثابتتين: الراوي (الفتح بن خاقان) والبطل (أبو الفتح الإسكندري). هذه الثبات في الشخصيات من الخصائص المميزة لفن المقامة، حيث يصبح البطل محوراً لسلسلة من الحكايات المتفرقة التي تجمعها الشخصية لا الزمان أو المكان. والبنية الحوارية التي تعتمدها المقامة، كما في قوله: [فقلت: أحدثك لا أم أنك قد تردت شرط الجداو وحرت النقد...]، تجعل النص حياً متحركاً، ينقل الأحداث والأفكار بطريقة مشوقة، وتنتهي المقامة عادة بعبرة أو حكمة مستخلصة، وهو ما يعطيها البعد الأخلاقي التعليمي.
أما الخصائص الأسلوبية في المقامة الفزارية فتكشف عن براعة لغوية وأدبية مميزة. فالسجع، وهو تطابق نهايات الجمل في الحرف الأخير، يظهر بوضوح في النص، كما في: [كنا في بعض بلاد فزارة نتجول فيها... نبحث عن فصاحة وبلاغة]. هذا السجع ليس مجرد زخرف لفظي، بل هو أسلوب فني يعطي النص إيقاعاً موسيقياً خاصاً. بالإضافة إلى ذلك، نجد المحسنات البديعية المختلفة كالطباق والجناس والمقابلة، والتي تظهر براعة الكاتب في توظيف اللغة. والانزياح اللغوي، أو الخروج عن المألوف في تركيب الجمل واختيار الألفاظ، كما في: [أصبح سبعاً ولا صحيح إلا المتعج، ولا تداع إلا المتعج]، يعطي النص طابعاً إبداعياً مميزاً. وهذا الانزياح ليس عشوائياً، بل هو مقصود لإظهار المقدرة اللغوية وإثارة انتباه القارئ.
تتجلى مقاصد المقامة الفزارية وأهدافها في عدة مستويات. فالمقصد التعليمي واضح من خلال السفر والترحال بحثاً عن الفصاحة والبلاغة، كما في: [نستجوب في سبيل ذلك كل من لقيناه]. والمقصد الترفيهي يظهر من خلال المتعة الفنية التي يقدمها النص من خلال ألغازه وغموضه المقصود. أما المقصد النقدي فيتجلى في نقد العيوب الاجتماعية والثقافية، كنقد التكبر والتعالي: [لا صحيح إلا المتعج]. والمقصد الأخلاقي يظهر في ترسيخ القيم النبيلة مثل التواضع والصدق والبحث عن المعرفة.
تحمل المقامة الفزارية قيماً اجتماعية وثقافية عميقة. فقيمة العلم والأدب تظهر في البحث الدؤوب عن المعرفة والفصاحة. وقيمة الحوار تبرز في الاستجواب والنقاش مع الناس لاستخلاص الحكمة. والنقد الاجتماعي يتجلى في نقد الطبقات المتعالية والمتغطرسة في المجتمع. وقيمة الصداقة والأخوة تظهر في التآخي والتعاون بين الأفراد، كما في: [لكنه قلت ثم يجب شكاوى ورفع ورشفتني الآثار]. هذه القيم تجعل من المقامة الفزارية ليس مجرد نص أدبي، بل وثيقة اجتماعية وثقافية تعكس هموم المجتمع وتطلعاته.
من خلال هذه المقومات الفنية والأسلوبية والمقاصدية، تتجلى أصالة المقامة الفزارية كجنس أدبي مستقل. فهي لا تقتصر على الشكل التقليدي، بل تضيف إليه أبعاداً جديدة من خلال الانزياح اللغوي والتعقيد المقصود. كما أنها تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فتحافظ على الخصائص التقليدية لفن المقامة، وتضيف إليها رؤى جديدة تناسب عصرها. وهذا ما يجعلها نموذجاً حياً لفن المقامة، يستحق الدراسة والتحليل.
الخاتمة
ختاماً، يمكن القول إن المقامة الفزارية تمثل نموذجاً رفيعاً لفن المقامة العربي، حيث تجتمع فيها الخصائص الفنية والأسلوبية التي تجعلها جنساً أدبياً قائماً بذاته. فبنيتها الفنية المتميزة، وخصائصها الأسلوبية المتطورة، ومقاصدها المتعددة، وقيمها الاجتماعية والثقافية العميقة، كلها عوامل تجعل منها نصاً أدبياً متميزاً، يجمع بين المتعة الفنية والفائدة التعليمية. وهي بهذا تمثل حلقة مهمة في تطور فن المقامة، حيث تحافظ على الأصالة مع التجديد في الشكل والمضمون، مما يجعلها نموذجاً يستحق الدراسة والاهتمام في سياق الأدب العربي القديم.
[1] نقطةٌ على وضوحِ الخطِّ و نظافةِ الورقة
☺ عملاً مُوفَّقا ☺